محمد بن جرير الطبري

108

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ . حدثني الحرث ، قال : ثنا عبد العزيز ، قال ثنا سفيان عن رجل ، عن سعيد بن جبير ، أنه كان يقول : وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ يخفضها . قال : أقسموا واعتذروا . قال الحرث : قال عبد العزيز ، قال سفيان مرة أخرى ، ثني هشام ، عن سعيد بن جبير . القول في تأويل قوله تعالى : وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً . يقول تعالى ذكره : ومن هؤلاء العادلين بربهم الأوثان والأصنام من قومك يا محمد من يستمع إليك ، يقول : من يستمع القرآن منك ، ويستمع ما تدعوه إليه من توحيد ربك وأمره ونهيه ، ولا يفقه ما تقول ولا يوعيه قلبه ، ولا يتدبره ولا يصغي له سمعه ليتفقهه فيفهم حجج الله عليه في تنزيله الذي أنزله عليك ، إنما يسمع صوتك وقراءتك وكلامك ، ولا يعقل عنك ما تقول ؛ لأن الله قد جعل على قلبه أكنة . وهي أكنة جمع كنان ، وهو الغطاء مثل سنان وأسنة ، يقال منه : أكننت الشيء في نفسي بالألف ، وكننت الشيء إذا غطيته ، ومن ذلك بَيْضٌ مَكْنُونٌ وهو الغطاء ، ومنه قول الشاعر : تحت عين كناننا * ظل برد مرحل يعني غطاءهم الذي يكنهم . وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً يقول تعالى ذكره : وجعل في آذانهم ثقلا وصمما عن فهم ما تتلو عليهم والإصغاء لما تدعوهم إليه . والعرب تفتح الواو من " الوقر " في الأذن : وهو الثقل فيها ، وتكسرها في الحمل ، فتقول : هو وقر الدابة ، ويقال من الحمل : أوقرت الدابة فهي موقرة ، ومن السمع : وقرت سمعه فهو موقور ، ومنه قول الشاعر : ولي هامة قد وقر الضرب سمعها وقد ذكر سماعا منهم : وقرت أذنه : إذا ثقلت ، فهي موقورة ، وأوقرت النخلة فهي موقر ، كما قيل : امرأة طامث وحائض ، لأنه لاحظ فيه للمذكر ، فإذا أريد أن الله أوقرها قيل موقرة . وقال تعالى ذكره : وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ بمعنى : أن لا يفقهوه ، كما قال : يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا بمعنى ؛ أن لا تضلوا ، لأن الكن إنما جعل على القلب لئلا يفقهه لا ليفقهه . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة : وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً قال : يسمعونه بآذانهم ولا يعون منه شيئا ، كمثل البهيمة التي تسمع النداء ولا تدري ما يقال لها . حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل قال : ثنا أسباط عن السدي : وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً أما أكنة : فالغطاء ، أكن قلوبهم لا يفقهون الحق ، وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً قال صمم . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ قال : قريش . حدثني المثنى ، قال : ثنا حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ . يقول تعالى ذكره : وإن هؤلاء العادلون بربهم الأوثان والأصنام ، الذين جعلت على قلوبهم أكنة أن يفقهوا عنك ما يسمعون منك ، كُلَّ آيَةٍ يقول : كل حجة وعلامة تدل أهل الحجا والفهم على توحيد الله وصدق قولك وحقيقة نبوتك ؛ لا يُؤْمِنُوا بِها يقول : لا يصدقون بها ولا يقرون بأنها دالة على ما هي عليه دالة . حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ يقول : حتى إذا صاروا إليك بعد معاينتهم الآيات الدالة على حقيقة ما جئتهم به يجادلونك ، يقول : يخاصمونك . يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا يعنى بذلك الذين جحدوا آيات الله وأنكروا حقيقتها ، يقولون لنبي الله صلى الله عليه وسلم إذا سمعوا حجج الله التي احتج بها عليهم وبيانه الذي بينه لهم : إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ أي ما هذا إلا أساطير الأولين . والأساطير : جمع إسطارة وأسطورة مثل أفكوهة وأضحوكة ، وجائز أن يكون الواحد أسطارا مثل